مناع القطان

41

مباحث في علوم القرآن

لرفعة شأنه ، والتسليم بزعامته ، ما دام العرب جميعا على فصاحتهم قد عجزوا عن معارضته ، بل ربما كان هذا أدعى للتسليم المطلق بزعامته لأنه واحد منهم أتى بما لم يستطيعوه . ولا يقال إنه أراد بنسبة القرآن إلى الوحي الإلهي أن يجعل لكلامه حرمة تفوق كلامه حتى يستعين بهذا على استجابة الناس لطاعته وإنفاذ أوامره ، فإنه صدر عنه كلام نسبه لنفسه فيما يسمى بالحديث النبوي ولم ينقص ذلك من لزوم طاعته شيئا ، ولو كان الأمر كما يتوهمون لجعل كل أقواله من كلام اللّه تعالى . وهذا الادعاء يفترض في رسول اللّه أنه كان من أولئك الزعماء الذين يعبرون الطريق في الوصول إلى غايتهم على قنطرة من الكذب والتمويه ، وهو افتراض يأباه الواقع التاريخي في سيرته عليه الصلاة والسلام ، وما اشتهر به من صدق وأمانة شهد له بهما أعداؤه قبل أصدقائه . لقد اتهم المنافقون زوجته عائشة بحديث الإفك ، وهي أحب زوجاته إليه ، واتهامها يمس كرامته وشرفه ، وأبطأ الوحي ، وتحرّج الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتحرّج صحابته معه حتى بلغت القلوب الحناجر ، وبذل جهده في التحري والاستشارة ، ومضى شهر بأكمله ، ولم يزد على أن قال لها آخر الأمر « أما إنه بلغني كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه » « 1 » وظل هكذا إلى أن نزل الوحي ببراءتها ، فما ذا كان يمنعه لو أن القرآن كلامه من أن يقول كلاما يقطع به ألسنة المتخرصين ، ويحمي عرضه ؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللّه ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 44 - 47 - الحاقة ) . واستأذن جماعة في التخلف عن غزوة تبوك وأبدوا أعذارا وكان منهم من

--> ( 1 ) راجع حديث الإفك في الصحيحين وفي غيرهما ، وتفسير القصة في سورة النور .